ابن رشد

142

تهافت التهافت

الاعتراض الرابع : أن يقال : التثليث لا يكفي في المعلول الأول فإن جرم السماء الأول لزم عندهم من معنى واحد من ذات المبدأ وفيه تركيب من ثلاثة أوجه . أحدها : أنه مركب من صورة وهيولى وهكذا كل جسم عندهم فلا بدّ لكل واحد من مبدأ إذ الصورة تخالف الهيولى وليست كل واحدة على مذهبهم علة مستقلة للأخرى حتى يكون أحدهما بواسطة الآخر من غير علة أخرى زائدة عليها . قلت : الذي يقوله أن الجسم السماوي هو عندهم مركب من مادة وصورة ونفس فيجب أن يكون في العقل الثاني الذي صدر عنه الفلك أربعة معان : معنى تصدر عنه الصورة ، ومعنى تصدر عنه الهيولى إذ ليس أحد هذين علة مستقلة للثانية بل المادة علة للصورة بوجه والصورة علة للمادة بوجه ، ومعنى صدر عنه النفس ، ومعنى صدر عنه المحرك للفلك الثاني فيكون فيه تربيع ضرورة . والقول بأن الجسم السماوي مركب من صورة وهيولى كسائر الأجسام هو شيء غلط فيه ابن سينا على المشائين ، بل الجرم السماوي عندهم جسم بسيط ولو كان مركبا لفسد عندهم ، ولذلك قالوا فيه أنه غير كائن ولا فاسد ، ولا فيه قوة على المتناقضين ، ولو كان كما قال ابن سينا لكان مركبا كالحيوان ، ولو سلم هذا لكان التربيع لازما لمن يقول أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد . وقد قلنا : إن الوجه الذي به هذه الصورة بعضها أسباب لبعض ، وكونها أسبابا للأجرام السماوية ولما دونها ، وكون السبب الأول سببا لجميعها هو غير هذا كله . الوجه الثاني : قال أبو حامد : إن الجرم الأقصى على حد مخصوص في الكبر فاختصاصه بذلك القدر من بين سائر المقادير زائد على وجود ذاته إذ كان ذاته ممكنا أصغر منه أو أكبر فلا بدّ له من مخصص بذلك المقدار زائد على المعنى البسيط الموجب لوجوده لا كوجود العقل فإنه وجود محض لا يختص بمقدار مقابل لسائر المقادير فيجوز أن يقال : لا يحتاج إلا إلى علة بسيطة . قلت : معنى هذا القول أنهم إذا قالوا : إن جسم الفلك هو معنى ثالث صدر وهو في نفسه غير بسيط ؛ أعني أنه جسم ذو كمية ففيه إذا معنيان : أحدهما يعطي الجسمية الجوهرية ، والثاني الكمية المحدودة ، فيجب أن يكون في ذلك